محمد المقداد الورتتاني
126
البرنس في باريس
وإتقان الزراعة . ولربما كانت تربة أرضنا أجود وطقس عدوتنا ألطف ، حيث رأيت مزارع القمح هنالك أضعف سوقا وأقصر قامة والسنبل أقل حجما . فالشكر إنما يوجه للرجال على هاته الأعمال لا إلى تراب السهول والجبال . بلغني أنهم يجلبون لأراضيهم تراب الفسفاط يمزجونها به فتجود الأرض وتتجدد قواها . وقد عرف الأروباويون مزية تراب هذا الإكسير على الفلاحة ، فاستثمروا خصيصته ونالوا أرباحه . كنت رأيت بشركة فسفاط المتلوي بجنوب المملكة التونسية نحو أربعة آلاف عامل باليد ، عدا النظار والمكلفين والمهندسين ، وتفوق الحساب القوات البخارية والكهربائية لاستخراج تراب الفسفاط من غيران وكهوف في أعماق الجبال الشاهقة على أنوار الكهرباء ، ويجر بعربات البخار إلى معامل التجفيف الأول بالشمس والفلح ، ويطحن ويغربل بعد ذلك بأمتن الآلات وأسرعها . ثم يجفف بنار الفحم الحجري وتسير به القطارات إلى الشواطئ ليحمل إلى ما وراء البحار وليدر على أراضي أرباب العلم بالمنافع والأعمال الزراعية المحكمة . فيرى الإنسان في معامل استخراج الفسفاط الكيمياء بمعنى الكلمة التي يصير بها التراب تبرا من الأرباح الباهظة في أثمانه . ومتى رأى تأثيرات ذلك التراب على الأراضي التي يمزج بها ، وخصبها بعد الجذب وحياتها واخضرارها بعد الموت والعراء ، يعلم قيمة أسرار الكائنات في هاته الأرض التي خلقنا منها وخلق لنا أيضا ما فيها جميعا ، وأن ما بها فيه كفاية ورزق واسع لمن تدبر واجتهد في الوصول إلى الأسرار والمنافع . والأرض كالبشر فمن تشبع بماء العلم والتهذيب وأد من العمل واكتسب المعارف والآداب أنتجت أفكاره ومواهبه ما يسوس به نفسه وينفع جنسه . وإذا قابلت بينه وبين من يبقى على أصل الفطرة الحيوانية شبه السائمة ، تحسب الفرق من أصل الخلقة أو التفاوت في الاستعداد . والأمر على خلاف ذلك وما هو إلّا العلم والعمل وربما خفي هذا الأمر على بسطاء العقول في توهم الفرق بين الحضري والبدوي . ورجع بنسبة ذلك إلى أصل الفطرة مثل ما خامر بعض الأفكار من أن بين الشرقي والغربي تفاوتا في العقل ، وكل ذلك بعيد عن الصواب وبمعزل عن الحقيقة ، إذ قد تجد في النفوس الغير الممرنة والعقول الغير المدربة كمالا ومتانة واستعدادا تفوق بها غيرها . وتتجلى حقيقة الأمر إذا أرسلت من كلا الجنسين في رهان التعليم والتثقيف على السواء